أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
323
العقد الفريد
قبلكم من الولاة ليصلون رحمي ، ويعرفون حقي ، وإنك وأباك منعتماني ما عند كما حتى ركبني من الدّين ما واللّه لو أن عبدا مجدّعا حبشيّا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوّجتها ؛ فإنما فديت بها رقبتي من النار . قال : فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه ، ومضى حتى دخل على عبد الملك - وكان الوليد إذا غضب عرف ذلك في وجهه - فلما رآه عبد الملك قال : مالك أبا العباس ؟ قال : إنك سلّطت عبد ثقيف وملّكته ورفعته حتى تفخّذ نساء عبد مناف ، وأدركته الغيرة . فكتب عبد الملك إلى الحجّاج يعزم عليه ألّا يضع كتابه من يده حتى يطلّقها . . . فما قطع الحجّاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا . قال : وما زال واصلا لعبد اللّه بن جعفر حتى هلك . قال بديح : فما كان يأتي علينا هلال إلا وعندنا غير مقبلة من الحجاج ، عليها لطف وكسوة وميرة ، حتى لحق عبد اللّه بن جعفر باللّه . ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك ، فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب ، ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره ، ثم سأله فألطف المسألة ، حتى سأله عن مطعمه ومشربه . فلما انقضت مسألته ، قال له يحيى بن الحكم : أمن خبثة كان وجهك يا أبا جعفر ؟ قال : وما خبثة ؟ قال : أرضك التي جئت منها . قال : سبحان اللّه ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسميها طيبة وتسميها خبثة ؟ لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين . فلما خرج من عنده هيّأ له ابن جعفر هدايا وألطافا . فقلت لبديح : ما قيمة ذلك ؟ قال : قيمته مائة ألف . من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز . قال : فبعثني بها ، فدخلت عليه وليس عنده أحد . فجعلت أعرض عليه شيئا شيئا . قال : فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك ، وجعل يقول كلما أريته شيئا : عافى اللّه أبا جعفر ! وما رأيت كاليوم ، وما نريد أن يتكلف لنا شيئا من هذا ، وإن كنا لمتذمّمين محتشمين . قال : فخرجت من عنده وأذن لأصحابه . واللّه لبينا أنا عند بن جعفر أحدّثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى